محمد الغزالي
192
فقه السيرة ( الغزالي )
على أنّ تنويهنا بقيمة التسامي النفساني في تأسيس الإخاء ، لا يمنع الحاكم من فرضه على الناس نظاما يؤخذون بحقوقه أخذا ، فإذا لم يؤدّوها طوعا أدّوها كرها ، وذلك كما يجبرون على العلم ، والجندية ، وأداء الضرائب وغير ذلك . وقد ظلّت عقود الإخاء مقدّمة على حقوق القرابة في توارث التركات إلى موقعة ( بدر ) ، حتى نزل قوله تعالى : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الأنفال : 75 ] . فألغي التوارث بعقد الأخوة ، ورجع إلى ذوي الرحم . وروى البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في تفسير قوله تعالى : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ . . . [ النساء : 33 ] . قال : كان المهاجرون - لما قدموا المدينة - يرث المهاجريّ الأنصاريّ دون ذوي رحمه ؛ للأخوة التي اخى النبي عليه الصلاة والسلام بينهم ، فلمّا نزلت : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ . . . ، نسخت ذلك ، ثم قال : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ من النصر والرفادة والنصيحة ، وقد ذهب الميراث ، ويوصي له . وروي في تفصيل هذا الإخاء : أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم تاخى مع علي ، وتاخى حمزة مع زيد ، وأبو بكر مع خارجة ، وعمر مع عتبان بن مالك . . . إلخ . ومن العلماء من يشكّ في أخوّة الرسول عليه الصلاة والسلام مع علي . ولكن ما صحّ أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جعل عليّا منه بمنزلة هارون من موسى يؤيّد هذه الرواية « 1 » ، وليس يخدش هذا من منزلة أبي بكر ، ولا استحقاقه الصدارة .
--> ( 1 ) قلت : كلا ، لا تأييد ، فإن الأخوة المذكورة أخص من تلك المنزلة ، ولا يثبت الأخصّ بالأعم ؛ فلا بدّ من إثبات الأخوة بنص خاص . وقد تتبعت الأحاديث الواردة فيها فوجدتها لا تخلو من كذّاب ، ومن أشهرها ما أخرجه الترمذي : 4 / 328 ؛ والحاكم : 3 / 14 ، من طريق حكيم بن جبير ، عن جميع بن عمير ، عن ابن عمر ، قال : اخى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أصحابه ، فجاء عليّ تدمع عيناه ! فقال : يا رسول اللّه ! اخيت بين -